في دقائق معدودة، دوّت مئات الغارات في مناطق متفرّقة من لبنان، في واحدة من أكثر موجات القصف كثافة منذ بداية التصعيد. وبين سرعة التنفيذ واتّساع رقعة الاستهداف، تتصاعد التساؤلات حول طبيعة هذه العمليات وتداعياتها على المدنيين.
يشهد لبنان تصعيدًا عسكريًا ملحوظًا منذ مطلع نيسان ٢٠٢٦، مع اتّساع نطاق الضربات الجوية لتشمل مناطق متعدّدة في الجنوب والبقاع وأطراف بيروت. ويأتي ذلك في سياق مواجهة مستمرّة بين الحزب وإسرائيل، وسط تزايد المخاوف من انعكاسات العمليات العسكرية على المدنيين.
هذا النمط من الضربات لا يعكس فقط تصعيدًا عسكريًا، بل يشير إلى تحوّل في قواعد الاشتباك نحو ضربات سريعة ومكثّفة تهدف إلى إرباك البيئة الميدانية بالكامل.
مئة غارة في دقائق: كيف بدت الضربات الأوسع منذ بدء التصعيد؟
نحو ١٠٠ غارة خلال دقائق، في واحدة من أكثر العمليات كثافة وتنظيمًا منذ بدء التصعيد.
أفادت تقارير ميدانية بأنّ الطيران الإسرائيلي نفّذ مئات الغارات الجوية خلال فترة زمنية قصيرة، حيث تحدّثت بعض المصادر عن نحو ١٠٠ غارة خلال دقائق معدودة، في واحدة من أكثر العمليات كثافة منذ بدء التصعيد الحالي. وتوزّعت هذه الضربات على عدّة مناطق، شملت الجنوب والبقاع، إضافة إلى بيروت وأطراف الضاحية الجنوبية، وفق المعطيات الأوليّة.
وبحسب الرواية الإسرائيلية، استهدفت الضربات مواقع وبنى تحتيّة عسكرية تابعة للحزب، بما في ذلك منشآت يُشتبه باستخدامها لأغراض عسكرية ومخازن أسلحة، في إطار ما تصفه بمحاولة الحدّ من قدراته العسكرية.
ما يعكس استمرار الفجوة بين التوصيف العسكري للعملية ونتائجها على الأرض.
في المقابل، تشير معطيات ميدانية وشهادات سكّان إلى أنّ عددًا من الضربات وقع في مناطق مأهولة أو على مقربة منها، ما أدّى إلى أضرار في مبانٍ سكنية ومرافق مدنية. كما أفاد بعض السكّان بعدم تلقّي تحذيرات مسبقة في عدد من الحالات، في ظلّ سرعة تنفيذ الغارات.
التحذير المسبق تحت الاختبار
برزت مسألة التحذير المسبق كأحد أبرز الجوانب المثارة عقب هذه الغارات، خصوصًا في الضربات التي نُفّذت بوتيرة سريعة. وأفاد سكّان في مناطق مستهدفة بأنّهم لم يتلقّوا إشعارات قبل وقوع بعض الضربات، ما حدّ من قدرتهم على اتّخاذ تدابير وقائية.
في المقابل، تعتمد إسرائيل في بعض عملياتها على إصدار تحذيرات مسبقة عبر وسائل متعدّدة، تشمل الاتصالات أو الرسائل أو ما يُعرف بإجراءات “الإنذار المسبق”. إلّا أنّ المعطيات الميدانية تشير إلى تفاوت في تطبيق هذه الآليّة من حيث التوقيت والنطاق، بحسب الشهادات المحلية.
ما يطرح تساؤلات حول فعالية هذه الآلية في بيئة قصف سريع وعالي الكثافة.
ما كلفة التصعيد على المدنيين؟
تأتي هذه التطورات في ظلّ وضع إنساني متدهور، مع تسجيل تداعيات واسعة على السكّان والبنى التحتيّة. فقد أُفيد بسقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى منذ بداية التصعيد، إلى جانب نزوح أكثر من مليون شخص من مناطقهم، في واحدة من أكبر موجات النزوح الداخلي في السنوات الأخيرة.
كما طالت الأضرار مبانٍ سكنية ومرافق مدنية أساسية، بما في ذلك شبكات الخدمات والبنية التحتيّة. وتواجه عمليات الإغاثة تحدّيات متزايدة نتيجة استمرار الغارات وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق، إضافة إلى الضغط المتزايد على الموارد في المناطق المستقبِلة للنازحين.
تصعيد مستمر رغم التهدئة الإقليمية
يأتي هذا التصعيد ضمن سياق إقليمي أوسع يتّسم بتوترات متزايدة، في أعقاب تبادل هجمات عبر الحدود في وقت سابق من العام. وقد أسهمت هذه التطورات في رفع وتيرة العمليات العسكرية على الجبهة اللبنانية وتوسيع نطاقها.
ورغم الحديث عن محاولات تهدئة في بعض الساحات الإقليميّة، تستمرّ العمليات في لبنان بوتيرة مرتفعة، ما يعكس انفصال هذا المسار عن جهود التهدئة في ملفات أخرى.
كيف تتحوّل الضربات إلى أثر أقرب للعشوائية؟
تُصنّف هذه الضربات، وفق المعايير العسكرية، ضمن الاستهدافات الموجّهة التي تُحدَّد أهدافها مسبقًا. إلّا أنّ تنفيذها في بيئات مكتظّة بالسكان، أو استنادًا إلى معلومات غير دقيقة أو غير مكتملة، إضافة إلى استخدام قوّة نارية كبيرة في بعض الحالات، قد يؤدّي إلى تداعيات تتجاوز الأهداف المحدّدة.
وفي هذا السياق، قد تسفر هذه العمليات عن إصابات في صفوف المدنيين وأضرار واسعة في الممتلكات، ما يجعل آثارها على الأرض تبدو أقرب إلى العشوائية من حيث النتائج، حتّى وإن لم تُصنَّف كذلك نظريًا.
ما يجعل نتائجها على الأرض أقرب إلى العشوائية، حتى وإن بقيت مصنّفة عسكريًا كضربات دقيقة.
وتيرة تتصاعد وأسئلة بلا إجابات: إلى أين يتجه هذا التصعيد؟
تعكس موجة الغارات الأخيرة مستوى متقدّمًا من التصعيد من حيث الكثافة والسرعة. وبينما تؤكّد إسرائيل أنّها تستهدف أهدافًا عسكرية محدّدة، تبرز تحدّيات تتعلّق بحماية المدنيين وفعالية إجراءات التحذير، إضافة إلى حجم الأضرار في المناطق السكنية.
وفي ظلّ غياب مؤشرات واضحة على تهدئة قريبة تشمل الجبهة اللبنانية، يستمرّ المدنيون في تحمّل العبء الأكبر من تداعيات هذا التصعيد، في واقع يتّسم بارتفاع مستوى المخاطر واستمرار عدم الاستقرار.
في المحصلة، لا يبدو أن هذا التصعيد يقترب من نهايته، بل من إعادة تعريف قواعده. وبين خطاب “الدقة العسكرية” وواقع الأضرار على الأرض، يبقى المدنيون الحلقة الأضعف في معادلة لا يملكون التأثير فيها.