آخر تطورات الحرب بين إيران وإسرائيل: ضربات على البرنامج الصاروخي، أزمة داخل النظام الإيراني، وتأثيرات متصاعدة على لبنان وأسواق الطاقة.
لم تعد الحرب الدائرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، مجرد مواجهة عسكرية تقليدية تُقاس بعدد الضربات أو حجم الدمار. ما يجري اليوم هو تفكيك منهجي لقدرات الدولة الإيرانية، يقابله تآكل متسارع في تماسك النظام نفسه، وامتداد للأزمة إلى ساحات نفوذها، وفي مقدمتها لبنان.
نحن أمام حرب متعددة الطبقات: عسكرية، اقتصادية، سياسية… وربما أخطرها، حرب على “فكرة الدولة” داخل إيران.
استهداف العمق… لا الأطراف
في الأسابيع الأخيرة، لم تعد الضربات تركز على مواقع عسكرية تقليدية، بل انتقلت إلى قلب البنية الصناعية العسكرية الإيرانية. منشآت تطوير الصواريخ، خطوط الإنتاج، ومراكز الأبحاث أصبحت أهدافًا مباشرة. هذا التحول ليس تفصيلًا تقنيًا، بل يعكس استراتيجية واضحة: شلّ القدرة المستقبلية، لا فقط إضعاف القدرة الحالية.
الهدف لم يعد إضعاف إيران… بل تعطيل مستقبلها العسكري.
بمعنى آخر، الهدف لم يعد إسقاط صاروخ أو تدمير منصة إطلاق، بل منع إيران من إعادة بناء قوتها في السنوات المقبلة. التقارير تشير إلى أن الضربات أصابت منشآت حيوية مسؤولة عن إنتاج الوقود الصلب للصواريخ، ومكونات حساسة لا يمكن تعويضها بسهولة. وهذا ما يفتح الباب أمام سيناريو غير مسبوق:
إيران، القوة الصاروخية الإقليمية، قد تجد نفسها عاجزة مؤقتًا عن إنتاج صواريخها.
حرب الأنفاق… كسر “الميزة الإيرانية”
لطالما اعتمدت إيران على شبكة الأنفاق كعنصر تفوق استراتيجي، يسمح لها بإخفاء منصاتها الصاروخية وحمايتها من الضربات الجوية. لكن اليوم، هذه الأنفاق نفسها أصبحت هدفًا. استهداف مداخلها، وتدميرها بشكل منهجي، يعني ببساطة: تحويل الميزة إلى نقطة ضعف. هذه الحرب الدقيقة تشير إلى مستوى عالٍ من الاختراق الاستخباراتي، وتُظهر أن المعركة لم تعد فقط عسكرية، بل معلوماتية بامتياز.
الداخل الإيراني… النظام تحت الضغط
لكن أخطر ما في المشهد ليس ما يحدث في السماء، بل ما يجري داخل مؤسسات الحكم في طهران. هناك مؤشرات متزايدة على وجود شرخ بين الرئاسة والحرس الثوري. رئيس يحذّر من انهيار اقتصادي وشيك،
ومؤسسة عسكرية تمضي في التصعيد دون اعتبار للكلفة.
ما يظهر هنا ليس خلافًا داخل السلطة، بل بداية انفصال بين الدولة والنظام، اي “من يحكم فعليًا”.
في الواقع، يبدو أن الحرس الثوري لم يعد فقط لاعبًا عسكريًا، بل بات يمسك بمفاصل الاقتصاد والسياسة والأمن، فيما يتراجع دور المؤسسات المدنية إلى الهامش. وهنا يكمن الخطر الحقيقي: عندما تتحول الدولة إلى جهاز أمني، تفقد قدرتها على إدارة الأزمات.
الاقتصاد… نقطة الانفجار
الاقتصاد الإيراني اليوم لا يتعرض لضغط فقط، بل لعملية استنزاف ممنهجة تضرب الإنتاج، الاستهلاك، والثقة في آن واحد. الضربات الأخيرة لم تستهدف فقط السلاح، بل الاقتصاد أيضًا.
استهداف مصانع الصلب، تعطيل البنية التحتية، وانقطاع الإنترنت في بعض المناطق، كلها عوامل تضغط على الاقتصاد الإيراني الذي كان أصلًا هشًا.
المشهد في طهران يعكس ذلك بوضوح: أعمال تُغلق، قطاع خاص يتآكل، ومخاوف من انهيار وشيك. وفي ظل غياب إصلاحات حقيقية، يبقى خطاب “اقتصاد المقاومة” مجرد محاولة لشراء الوقت.
تصدير الأزمة… إلى الخليج
في مواجهة هذا الضغط الداخلي، يبدو أن إيران اختارت نقل المعركة إلى الخارج.
استهداف منشآت صناعية في الخليج، ومحاولة التأثير على أسواق الطاقة، ليس فقط ردًا عسكريًا، بل محاولة لفرض كلفة إقليمية على الحرب.
الرسالة واضحة: إذا كانت إيران تتألم، فلن تكون وحدها. كما أن فرض قواعد جديدة في مضيق هرمز، ولو بشكل غير رسمي، يعكس محاولة لتحويل الجغرافيا إلى ورقة تفاوض.
لبنان… حيث تتكثف الأزمة
لكن أحد أكثر التطورات دلالة، يحدث خارج إيران… في لبنان.
أزمة السفير الإيراني في بيروت لم تعد مجرد مسألة دبلوماسية، بل تحوّلت إلى مؤشر على عمق التوتر بين الدولة اللبنانية والنفوذ الإيراني.
من يملك القرار في لبنان؟
قرار بيروت سحب الاعتماد الدبلوماسي للسفير، ومطالبته بالمغادرة، قوبل برفض واضح، مدعوم من قوى داخلية، أبرزها حزب الله.
هذا الرفض لا يعكس فقط تحديًا دبلوماسيًا، بل يطرح سؤالًا أكبر: من يملك القرار في لبنان؟
بقاء السفير رغم القرار الرسمي، يكشف عن واقع مزدوج: دولة رسمية بقراراتها، ودولة موازية تفرض توازناتها.
وهنا، يتقاطع الداخل الإيراني مع الساحة اللبنانية: كما يهيمن الحرس الثوري في طهران، يمتد هذا النفوذ عبر حلفائه في بيروت.
جنوب لبنان… الجبهة المفتوحة
في الوقت نفسه، تتصاعد العمليات العسكرية في جنوب لبنان، مع تقدم إسرائيلي واضح ومحاولة إنشاء “منطقة أمنية”.
الاستهداف المكثف للبنية التحتية، خصوصًا الجسور، يعكس استراتيجية لعزل الجنوب عن باقي لبنان، وتحويله إلى ساحة معزولة.
هذا السيناريو يعيد إلى الأذهان تجربة الاحتلال السابقة، لكن في سياق أكثر تعقيدًا، مع تداخل إقليمي أوسع.
روسيا… لاعب في الظل
وسط هذا المشهد، يظهر دور روسيا بشكل غير مباشر، من خلال تقديم دعم استخباراتي لإيران.
هذا التطور يعكس أن الحرب لم تعد محصورة في أطرافها المباشرة، بل أصبحت جزءًا من صراع أوسع على النفوذ الدولي.
إلى أين تتجه الأمور؟
حتى الآن، لا يبدو أن هناك أفقًا واضحًا لنهاية قريبة.
إسرائيل والولايات المتحدة تمضيان في استراتيجية استنزاف وتفكيك. إيران تحاول الصمود، ونقل المعركة إلى الخارج.
والمنطقة بأكملها تتحمل الكلفة. لكن الفارق اليوم هو أن المعركة لم تعد فقط عسكرية، بل وجودية.
الخلاصة
إيران اليوم ليست فقط تحت القصف… بل تحت ضغط داخلي وخارجي متزامن.
ضربات تستهدف قدرتها على إعادة البناء، نظام يواجه تصدّعات داخلية، ونفوذ إقليمي بدأ يتعرض للاهتزاز.
في النهاية، السؤال لم يعد: من سيفوز في الحرب؟ بل: أي إيران ستخرج منها — إن خرجت كما نعرفها؟